سيد محمد طنطاوي

477

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيه إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ . والمراد بها هنا : ما يكون في جوف الأرض من أموات وكنوز وغير ذلك مما يكون في باطنها . قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في جوف الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها ، وإنما سمى الجن والإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم . . . « 1 » . والمراد بالإنسان في قوله - سبحانه - : * ( وقالَ الإِنْسانُ ما لَها ) * جنسه فيشمل المؤمن والكافر . وقوله * ( ما لَها ) * مبتدأ وخبر ، والاستفهام : المقصود به التعجب مما حدث من أهوال . أي : وقال كل إنسان على سبيل الدهشة والحيرة ، أي : شيء حدث للأرض ، حتى جعلها تضطرب هذا الاضطراب الشديد . قال الجمل : وفي المراد بالإنسان هنا قولان : أحدهما : أنه اسم جنس يعم المؤمن والكافر ، وهذا يدل على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة ، والمعنى : أنها حين تقع لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة ، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك . والثاني : أنه الكافر خاصة ، وهذا يدل على قول من جعلها زلزلة القيامة ، لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها ، والكافر جاحد لها ، فإذا وقعت سأل عنها . . . « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ) * جواب الشرط ، و « أخبارها » مفعول ثان لقوله : * ( تُحَدِّثُ ) * والمفعول الأول محذوف . أي : إذا زلزلت الأرض زلزالها . وأخرجت الأرض أثقالها . وقال الإنسان ماذا حدث لها . . . عندئذ تحدّث الأرض الخلائق أخبارها ، بأن تشهد للطائع بأنه كان كذلك ، وتشهد على الفاسق بأنه كان كذلك . أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال : قرأ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم هذه الآية * ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ) * ثم قال : « أتدرون ما أخبارها » ؟ قالوا : اللَّه ورسوله أعلم . قال : « فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها ، بأن تقول : عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا . فهذه أخبارها . » « 3 » . والظاهر أن هذا التحديث من الأرض على سبيل الحقيقة ، بأن يخلق اللَّه - تعالى - فيها حياة وإدراكا ، فتشهد بما عمل عليها من عمل صالح أو طالح ، كما تشهد على من فعل ذلك .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 20 ص 147 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 573 . ( 3 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 481 .